ابن عساكر
112
تاريخ مدينة دمشق ( المستدركات )
أمير المؤمنين ؟ قال : ما اقترفت ذنبا ، إلّا أن أمير المؤمنين لا يستحلّ هذا مني إلّا بحجة ، فما الذي عند الأمير فيما كتب به إليه ؟ فقال : أمر أمير المؤمنين لا يخالف ، لكني أعفيك من الغلّ والحديد وأحملك على حال لا توهنك « 1 » ، وأوجهك مع غلام من غلماني أتقدم إليه بترفيهك وأن لا يعسفك « 2 » ، فشكره وقال : إن رأيت أن تأذن لي في المصير إلى منزلي ومعي من يراعيني « 3 » إلى أن أعود فافعل . فقال له : امض ووجّه معه خادما ، فصار أحمد إلى منزله واستخرج الكتب الثلاثة ورجع إلى المعتصم فأقرأه إياها ، وقال : إنما بعثت لأكتب بأخبارك وأتفقّد أحوالك ، وأكاتب يحيى بذلك ليقرأه على أمير المؤمنين ، فخالفت ذلك لما رجوته من الحظوة عندك ولما أمّلته منك ، فاستشاط المعتصم غضبا ، وكاد يخرج من ثيابه غيظا ، وتكلم في يحيى بكلّ مكروه ، وتوعّده بكلّ بلاء ، وقال لأحمد : يا هذا ، لقد رعيت « 4 » لنا رعاية لم يتقدمها إحساننا إليك ، وحفظت علينا ما نرجو أن يتسع لمكافأتك عليه ، ومعاذ اللّه أن أسلمك أو تنالك يد ولي قدرة على منعها منك ، أو أوثر خاصة أو حميما عليك ما امتد بي عمر ، فكن معي فأمرك نافذ في كلّ ما ينفذ فيه أمري ، ولم يجب المأمون على كتابه ، ولم يزل معه إلى أن ولي الخلافة ، وإلى أن ولي الواثق ، وإلى أيام المتوكل ، فأوقع به . نقلته مختصرا . قال أبو نصر بن ماكولا « 5 » : دؤاد : بضم الدال المهملة وفتح الواو المخففة : أحمد بن أبي دواد قاضي المعتصم والواثق ، [ واسم أبي دواد فرج ] « 6 » كان موصوفا بجودة الرأي والكرم ، وهو الذي امتحن العلماء بالقول في القرآن ، وبدعوتهم إلى خلق القرآن « 7 » .
--> ( 1 ) الوهن : الضعف في العمل والأمر . وأوهنه ووهنه توهينا : أضعفه ( تاج العروس : وهن ) . ( 2 ) عسف السلطان إذا ظلم ، وعسّف بعيره أتعبه بالسير ، وتعسّفه ظلمه أو ركبه بالظلم ولم ينصفه . وعسف المفازة عسفا قطعها على غير هداية ( تاج العروس : عسف ) . ( 3 ) راعيت الأمر مراعاة : راقبته ونظرت إلام يصير وما ذا منه يكون ( تاج العروس : رعى ) . ( 4 ) راعى أمره مراعاة وحفظه وترقبه ، كرعاه رعيا ، قال الراغب : أصل الرعي حفظ الحيوان إما بغذائه الحافظ لحياته وإما لحياته ، أو بذب العدو عنه ، ثم جعل للحفظ والسياسة ، ومنه قوله تعالى : فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أي ما حافظوا عليها حق المحافظة . ( 5 ) الإكمال لابن ماكولا 3 / 335 - 336 . ( 6 ) الزيادة بين معكوفتين عن الإكمال لابن ماكولا . ( 7 ) قوله : وبدعوتهم إلى خلق القرآن . ليس في الإكمال .